سعيد حوي
304
الأساس في التفسير
وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها وتقول : هذا حق منها وهذا باطل . لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها ، وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم . . وبينما هي تشهد على الناس هكذا ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يشهد عليها . فيقرر لها موازينها وقيمها ، ويحكم على أعمالها وتقاليدها ويزن ما يصدر عنها ، ويقول فيه الكلمة الأخيرة . . . وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها . . لتعرفها أو لتشعر بضخامتها ، ولتقدر دورها حق قدره ، وتستعد له استعدادا لائقا . وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد . أو من الوسط بمعناه المادي الحسي أُمَّةً وَسَطاً . في التصور والاعتقاد . . لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي . إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح تلبس الجسد ، أو جسد تتلبس به روح . ويعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد ، وتعمل لترقية الحياة ورفعها ، في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها ، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع ، بلا تفريط ولا إفراط ، في قصد واعتدال . أُمَّةً وَسَطاً في التفكير والشعور . . لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة . . . ولا تتبع كذلك كل ناعق ، وتقلد تقليد القردة المضحك . . إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب . وشعارها الدائم : الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها في تثبت ويقين . أُمَّةً وَسَطاً في التنظيم والتنسيق . لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب . إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب ، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب . وتزاوج بين هذه وتلك ، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان . . ولكن مزاج من هذا وذاك . أُمَّةً وَسَطاً . . في الارتباطات والعلاقات . . لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ، ولا تطلقه كذلك فردا أشرا جشعا لا هم له إلا ذاته . . إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء ، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه . ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو ، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في الجماعة . وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة . والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق . .